كلُّ الفساتين جميلة يا أمي..

 مرة قالت أمي : تُجيبني دائماً حلوة الفساتين فهل خجلاً ..؟ قُلت : في دُنيانا يا أمي لا يوجد فستانٌ بشع، مادام لكلّ فستان واحدةُ تُحب أنْ ترتديه." زياد الرحباني

كلّ الفساتين جميلة يا أمي

مادام لكل فستان واحدة تحبُّ أن ترتديه..

قرأتُ هذا الاقتباس لزياد الرحباني في العاشرة من عمري، وقتها ظننت أنه يقصد الفساتين العادية التي نراها على واجهات المحلّات، وعلى أجساد النساء، (المتحرّرات)، إلى أن التقيت بتبارك، غالية، فاطمة، عائشة، وغيرهنّ وعلمتُ ماهي الفساتين.. الجميلة بالطبع.

سورية


فستانُ تبارك..

مرّة في تجربة عمل تطوعيّ في مجال القراءة والثقافة والحوارات التي لا تنتهِ، اختارتنا إدارة المؤسسة أنا وصبية تدعى "تبارَك" لإدارة جلسة مناقشة كتاب للكاتب السوري حنّا مينا.

بدأنا بالتحضيرات أنا وتبارك، وخلال هذه الفترة، كنا نعمل عبر الانترنت، بالطبع بسبب ظروف الحرب والقذائف التي تتراشق بشكلٍ يوميّ، فالأفضل أن لا نلتقي كثيراً، إلى حين جاء يوم المهرجان وحان موعد جلستنا الحوارية مع الزوار أنا وتبارَك.

في الحقيقة هذه التجربة كانت مهمة جداً لكن لنركز على موضوعنا، فستان تبارك، ارتديت فستاني الأسود وهو عبارة عن صوف يدوي مخطّط باللون الأسود والأبيض، مع تنورة قصيرة من الكروشيه باللون الأسود، حضرت تبارك ترتدي مانطو أسود طويل وحجاب أبيض في غاية البساطة.

نظرنا إلى بعضنا على منبر المسرح، نقف في وجه بعضنا، سكتنا لعدة ثوان، بدونا كأننا نمثّل مسرحية، ثم انهالت علينا الضحكات، أحد الزملاء قال: "من كان لا يعرف كيف يتقبّل ويتعايش مع الآخر.. فليحضر لكنّ هذي المحاضرة، إنكنّ خير مثال للثقافات المختلفة المتعايشة مع بعضها بشكل مدهش ومفرح للقلب".

ضحكنا مطوّلاً وجرت الأمور على أكمل وجه، وزعنا اقتباسات أدبية كبطاقات تبقى ذكرى للحضور، وكانت لوحة متكاملة على خشبة مسرح، من شخصيتين ترتدين فستانين مختلفين بالكامل، ونهاية سعيدة تترك في الوجدان طابع المحبة والاحترام رغم كل الاختلافات.

"من كان لا يعرف كيف يتقبّل ويتعايش مع الآخر.. فليحضر لكنّ هذي المحاضرة"

فستان غالية..

غالية امرأة تنحدر من عائلة دمشقية، تنادي بالسلام من الجد للأب للأم للأحفاد، حتى أسست الأم حزباً مستقلاً يدعو للتصالح والوحدة على حدود سورية الطبيعية الثقافية المتنوعة أكثر من لوحة فسيفساء بحدّ ذاتها.

غالية ترتدي فستان مزركش بعدة ألوان، يمكن أن يعجبك، ويمكن أن لا يعجبك، لا تقلق، فإنها لا تأبه لذلك، غالية بفستانها ذاك، أحيانا تقول وتفعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان، مثل الرفق بالحيوان، تمكين النساء، العطف على صغار البلاد المشردين، وزراعة شجرة أينما ذهبت.

وأحياناً أخرى تقول ما لا يشبهك، أو ما لايعجبك، وسرعان ما توضّح ما قالت، علّها تكون قد برأت ذمّتها من سوء الفهم، وبذلك تكون قد أخلت مسؤويتها من نتائج ماقالت، وهنا ذكرت لك أيها القارئ، لأقول لك أن فستان غالية المزركش بعدة ألوان، يمكن أن يعجبك، ويمكن أن لا يعجبك.

فستان فاطمة..

مرّة ذهبنا في رحلة إلى البحر مع عائلة تنحدر من مجتمع محافظ، تجهّزت ولبست فستاناً ورديّاً يليق بالبحر وجبال اللاذقية التي أعشق، ذهبتُ استقبلُ فاطمة، رأيتها ترتدي فستان ورديّاً أيضاً وحجاباً يصل من الذقن حتى ناصية الرأس.

كان يوماً لا يُنسَ، تبادلنا الأحاديث المشتركة التي لم تنتهِ حتى اليوم، وتشاركنا عدة لقطاتٍ وصور، أحببتُ فستان فاطمة جداً، وهي بدورها أحبّت فستاني أكثر، هذه اللقطة من الفساتين المختلفة عن بعضها بشكل جذري، درساً في المحبة وتقبّل الآخر.

فستان عائشة..

عندما درست للشهادة الثانوية، درستُ في معهدٍ تحضيري في منطقة المهاجرين - دمشق، وجلست بقربي صبيّة تدعى "عائشة" من منطقة اسمها عربين، كانت عائشة ذات وجه بسيط إلى حد الشفافية، تحدّثنا كثيراً وبالطبع أول سؤال خطر لنا، ماذا تنوي أن تدرسي في الجامعة؟ وهل تحبين الفلسفة؟ وأي لغة ستختارين للامتحان؟

قلت لها أني من اللاذقية، وقالت لي أنا أحب البحر، لكن لم نزره منذ توفي والدي، سأزورك في الصيف القادم عندما ننتهي من البكالوريا الكابوس هذه..

انتهى الدرس وذهبتُ اتمشى في حديقة قريبة من المعهد.. "علا .. علا.. علا.." التفتُّ وإذ بفتاة ترتدي نقاباً أسود، لم أعرفها حتى قالت لي لم تعرفيني؟ أنا عائشة؟ 
اعتذرت منها أني لم أعرفها بسبب غطاء الوجه، وقالت: "لا تقلقي عزيزتي.. أنتِ أختي في الله"
سورية


فساتين كثيرة.. ملوّنة ومزركشة.. بحجابات أو بلا.. 

فساتين جميلة مادام لكل فستان واحدة تحبّ أن ترتديه..

كيف لي أن أسمع لكل الأفكار الإيديولوجية وأصدّق الأحكام المسبقة على أي مجتمع، وأي امرأة، وأنا رأيت كل الفساتين، وأحببتها، بفضل أبي الذي علمني أن كل الناس خير وبركة، وكل الفساتين جميلة، مادام لكل فستان واحدة تحبّ أن ترتديه.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أولُ مقال.. كأولِ طفل.. كأولِ خوفٍ ودهشة